محمد المقداد الورتتاني

294

البرنس في باريس

الأخلاق والعوائد أهالي فرانسا أشبه الناس بالعرب في كثير من الخصال والصفات كالحرية وإباية الضيم وفصاحة اللسان وإكرام الضيف وغير ذلك . أما الحرية فإن العربي يصرح بما في ضميره ويصدع بالحق ولو كان السيف على رقبته . والنعمان ابن المنذر بين حسب قومه وشرف أمته وفضلها على سائر الأمم ، وجادل في ذلك مع كمال الأدب ووضوح الحجة أعظم رجل في عصره بين أمم العالم ألا وهو كسرى أنوشروان ، وما أدراك ما كسرى في مجلسه وبمحضر وفود الأمم ونوابها . وذلك لما هضمت أمة العرب في ذلك المجلس وتنقّصها من لا يعرف حقيقة أمرها . وبعد أن ترقب السامعون سخط كسرى عليه رأوا إعجاب كسرى به وإكرامه له ، شأن الرئيس الحكيم والمخاطب العاقل إذا سمع صواب القول ومتانة الحجة . وهذه الصفة المعتبرة عامة في سائر طبقات العرب لا فرق بين خاصتهم وعامتهم ، ونحن نعلم أن من بعض أطراف مجلس عمر بن الخطاب من قام وخاطب عمر بن الخطاب ، وما أدراك ما عمر بن الخطاب ، بقوله : « لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا » . يذكرون أن كلوفيس الأول أحد ملوك فرانسا رام أن يأخذ إناء من غنائم كنيسة سواسون ليرجعه إلى الكنيسة لما رغب منه ذلك ، فقام أحد الجند وضرب الإناء بسيفه فقال للملك : ليس لك إلّا منابك ، حيث كان من عادتهم قسمة الغنائم . رأيت المؤرخين ينتقدون على هذا الجندي الحر وأنا أبرر عمله لأنه في الصدع بالحق بمثابة من قام لعمر بن الخطاب وقال له : لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيفنا . بل الذي ينتقد هو عمل كلوفيس الأول حيث قتل هذا الجندي الحر المحق فيما بعد انتقاما لهاته المعارضة المرة . والحقيقة تجرح ، متعللا عليه في يوم تفقد الجند بأن لباسه على غير ما ينبغي . ومن حريتهم في الصدع بما في الضمير أن كانوا يقولون لي : ما أحسن اللباس العربي وما بال التونسيين لا يحافظون عليه متى أتوا إلى قطرنا حتى يعرف السواد الأعظم في مملكتنا إنسانية التونسيين وآدابهم ورقيهم « وفي الواقع غالب سكان أروبا لا يتصورون التونسي إلّا من همج القبائل بأواسط صحراء إفريقيا » ، فكنت أذهب في